الشيخ محمد هادي معرفة
209
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
أمّا وجه دلالة هذه الأنباء على صدق الرسالة فلأنّ حالة النبيّ صلى الله عليه وآله عند إطلاق هذه الأنباء - الموغلة في القدم ، أو الحاضرة الخافية في صدور أهلها ، أو الوعود المستقبلة التي كانت في مجاهل الغيب - حال الواثق المتيقّن من الأمر ، من غير أن يتعتع أو يتزلزل عند تلاوتها ، وهو بشر لم يطّلع على كتب السالفين ، ولا يملك تصرّفا في أمور غائبة أو نائية في مستقبل قريب أو بعيد ، وكان هو بذاته ينفي عن نفسه العلم بالغيب : « قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ » . « 1 » فلو لم يكن مستندا إلى ركن وثيق ما أمكنه إطلاق مثل هذا ، وكان قد جازف بدعوته وعرّضها للخطر ، لو كان محتملًا للخلاف ولم يكن جازما بالأمر . وهذا بالإضافة إلى ما عرف عنه التعقّل والحكمة ، ولم يعهد منه تسرّع في أمر أو تقوّل بلا رويّة ، حتّى قبل أن يكرمه اللّه بالرسالة . ولقد أدرك مشركو العرب هذه الحقيقة من خلال اختلاطهم برسول اللّه صلى الله عليه وآله والمؤمنين به ، حيث صدقت الحوادث الواقعة ممّا أخبرهم به القرآن الكريم . إنّ هذه الأنباء الصادقة التي جاء بها القرآن لدليل ظاهر وبرهان قاهر على أنّه كلام ربّ العالمين ، الذي يستوي عنده علم السابق واللاحق ، ولاتخفى عليه خافية . لقد ظهر صدق القرآن الكريم لكلّ ذي عينين في عشرات الحوادث التي أخبر عن وقوعها في المستقبل ووقعت بالفعل كما أخبر . إنّ ظاهر الإخبار بالمغيّبات في القرآن الكريم وتصديق الوقائع لها وعدم تخلّف الصدق عنها في شيء لدليل على أنّه وحي ممّن خلق الأرض والسماوات العلى ، أنزله على رسوله ليكون دلالةً على صدق رسالته . وهذا على غرار ما أخبر به القرآن الكريم أو أشار إليه من خفايا أسرار الوجود ، وقد كشفها العلم عبر العصور ، دليلًا على صدق هذا الكتاب الذي « لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » . « 2 » فعلى العلماء وأهل الاختصاص أن يعايشوا القرآن الحكيم ، ويستنطقوا آياته
--> ( 1 ) - الأعراف 188 : 7 . ( 2 ) - فصّلت 42 : 41 .